سيد مكاوى - اخر حفلة










سيد مكاوي مسحراتي الوطن الذي إكتشف "أن الارض بتتكلم عربي"
مزيكاتي الغلابة الذي زار مع صلاح جاهين قبة سيدنا الولي



مبدع امتزجت فيه خصال عديدة. جمع بين الموهبة الفطرية والذكاء وسرعة البديهة والذاكرة الفولاذية. هذا غير انه ابن بلد شهم خفيف الظل تحضره النكتة ولا تفوته القفشة. عاشق للحارة المصرية بكل تفاصيلها وقيمها.. فمنها جاء واليها غني ولحن.. انه سيد مكاوي آخر الملحنين الشيوخ في القرن العشرين .. تمر هذه الأيام ذكري رحيله الثالثة عشر
ولد سيد مكاوي في 8مايو عام 1926 بحي الناصريه بالسيدة زينب في بيئة شعبية صميمة.. اصيب بالرمد وهو في الثانية من عمره ولم تملك الاسره ما يكفي لعلاجه وادي ذلك الي فقد بصره للابد.. كان والده محبا للفن ويملك اكثر من ثلاثة الاف اسطوانة.
جاور سيد مكاوي الفقراء والمهمشين في الازقة والدروب وكان لذلك تاثيره في نشأته واسلوبه الفني. حباه الله منذ صغره اذن موسيقيه كانت مستودعا هائلا حفظ خلاله العديد من الالحان خاصة الشعبية وبذكائه الشديد استطاع تطوير وتحويل مالقنته به اذنه الي مدرسة موسيقية جديدة مضيفا الي ذلك ذوقه السليم واحساسه المرهف وعلمه بالمقامات الموسيقية.
تجويد
في السابعة من عمره ذهب الي كتاب الشيخ حنفي السقا وهناك حفظ القرآن بأكمله في ثلاث سنوات وعندما توفي والده تولي هو رعاية اسرته فقام بقراءة القرآن في المنازل وكان صوته حلوا حتي صار يتحدي اشهر مشايخ منطقة وشجعه اهالي الحي فأوكلوا اليه رفع الأذان للصلاة في مسجد الحي فقويت احباله الصوتيه. وقضي مايقرب من 10سنوات في دراسة اصول التجويد واحترف تلاوة القرآن.. الا انه كان يحلم دائما بالغناء ودخل اليه من بوابة الانشاد الصوفي وقصائد المديح والتواشيح الدينيه في الموالد وحلقات الذكر والمناسبات الشعبية وكون فرقة صغيرة من زملائه المقرئين.
في نهاية الاربعينيات التقي اثنين من الاثرياء من كبار هواة الموسيقي العربية ومن اعضاء نادي الموسيقي الشرقي هما محمود رأفت الذي اشتهر بعزفه علي القانون واخوه اسماعيل رأفت الذي درس الكمان مع احد رواد هذه الالة هو ابراهيم سهلون وساعداه الاخوان رأفت علي تعلم الموسيقي والعزف علي العود ودفعا له مصاريف الدراسة حتي اعتمد علي نفسه.
توجه سيد مكاوي الي الاذاعة المصرية لاعتماده مطربا وكان يرأس لجنة الاستماع مصطفي بك رضا رئيس معهد الموسيقي الشرقية وقتذاك واجتاز الاختبار وصار من مطربي الاذاعة وارتبط اسمه بلقب الشيخ وكان اول اجر تقاضاه عشرين جنيها احتفظ بعشرة منها ووزع الباقي علي العازفين افراد الكورس.
من مفارقات القدرأن تكون أول اغانية الخاصة والمسجلة بالاذاعة ليست من ألحانة إنما من الحان صديقة الملحن الناشئ وقتذاك عبد العظيم عبد الحق وهي "محمد" أما الاغنية الثانية فكانت "تونس الخضراء" للملحن أحمد صدقي وهما الاغنيتان الوحيدتان اللتان غناهما من الحان غيره في منتصف الخمسينات بدأت الاذاعة المصرية في التعامل مع سيد مكاوي ملحنا الي جانب كونه مطربا وكان أول لحن قدمه"بروحي يامصر افديكي" كلمات احمد بدرخان وبدأت الإذاعة في إسناد الاغاني الدينية إلية فقدم للشيخ محمد الفيومي الكثير من الألحان مثل "تعالي الله أولاك المعالي"و "آمين آمين"و "يارفاعي يارفاعي قتلت كل الافاعي" و"حياري علي باب الغفران" و"أسماء الله الحسني" كما قدم أغان شعبية خفيفة مثل"آخر حلاوة مافيش كدة" و"ماتبله يامسعدة نروح السيدة" والاغنيتان كلمات الراحل عبد الله احمد عبد الله وكانت بدايتة مع المطرب محمد قنديل في اغنية"حدوتة" لرفيق الكفاح الشاعر صلاح جاهين.
قدم مكاوي العديد من الالحان اللاذاعة من أغان وطنية وشعبية فقدم مثلا لمحمد عبد المطلب: "اتوصي بيا" و"قلت لابوكي عليكي وقالي"و"كل مرة لما اواعدك" والتي غناها أيضا بصوته ثم إلتقي به ثانية في اللحن الأشهر لطلب "إسأل مرة عليه". وقدم له ولحن لشريفة فاضل"مبروك عليك يامعجباني ياغالي".
تتجلي عبقرية سيد مكاوي في شدة بساطته وعمق مصريته التي استمدها من المدرستين الموسيقيتين اللتين كان ينتمي اليهما ونهل من علمهما وهما مدرسة سيد درويش التعبيرية ومدرسة زكريا أحمد التطريبية وكان كثيرا مايغني الحانهما سواء في جلساته الخاصة أوحفلاتة العامة وكان دائم الاعتراف بفضل سيد درويش وزكريا أحمد علي الموسيقي وإن لم يعاصر سيد درويش إلا انه إرتبط بصداقة كبيرة مع زكريا احمد.
يامسهرني
بدأ تهافت المطربين والمطربات علي الملحن سيد مكاوي كل يسعي للحصول منه علي لحن فقدم للمطربة الكبيرة ليلي مراد"حكايتنا احنا الاتنين" ولشادية"هوي يا هوي ياللي انت طاير"و"همس الحب يااحلي كلام" ولشهرزاد"غيرك انت ماليش" ولنجاة الصغيرة "لو بتعزني" ولصباح "انا هنا يا ابن الحلال" وغيرها الكثير. وانطلق الشيخ سيد يصول ويجول مقدما ألحانا لكبار المطربين والمطربات وكذلك للجيل الصاعد منهم آنذاك مثل المطربة فايزة أحمد حيث كان أول لحن تقدمة للاذاعة المصرية من الحان سيد مكاوي وهو اغنية"يانسيم الفجر صبح".
كان لبيئته الدينية التي نشأ فيها أثرها الواضح في ألحانه وإنسيابها بإيقاعية رقيقة سلسة علي الأذن والروح فحظت بشعبية كبيرة ووصل رصيده الي مايقرب من 1500لحن مابين الديني والعاطفي والوطني والوصفي والشعبي وغني له معظم المطربين والمطربات ماعدا عبدالحليم حافظ وإبتدع فكرة المقامات الغنائية الإذاعية ويبقي أنه آخر ملحن في حياة كوكب الشرق أم كلثوم التي قدم لها لحن وحيد هو "يامسهرني" عام 1972 وكان مقررا ان تغني له لحنا ثانيا هو"أوقاتي بتحلو" لكن القدر لم يمهلها ورحلت عام 1975 وذهب اللحن الي المطربة وردة الجزائرية
اجتذب المسرح الغنائي سيد مكاوي في عام 1969 وكان كثيرا مايحلم به وكانت بدايته بتقديم ألحانه في اوبريت"القاهرة في ألف عام" علي مسرح البالون مع كبار ملحني هذا الوقت محمود الشريف واحمد صدقي وعبد العظيم عبد الحق ومحمد الموجي وكمال الطويل وكان نصيبه في هذا الاوبريت ستة الحان هي: "المماليك "و"بناء القاهرة"و"البياعين"و "عيد الفطر"و"الحاكم بأمر الله".
و"يامصر افتحي قلبك" وبسبب النجاج المدوي لهذا الاوبريت وتألق ألحان مكاوي اسند إلية تلحين الاوبريت التالي منفردا وكان "الحرافيش " والذي حظي باقبال جماهيري واسع النطاق وإستمر في مسيرة العطاء للمسرح الغنائي فقدم: "دائرة الطباشير القوقازية"و"الصفقة"و"مدرسة المشاغبين"و"سوق العصر" و"هاللو دوللي".
وجد الشيخ سيد ضالته المنشودة مع صلاح جاهين الذي شاركه الحب لمسرح العرائس وإشتراكا في تقديم العديد من الأعمال الناجحة له منها:"قيراط حورية"و "حمار شهاب الدين" و"الفيل النونو الغلباوي" و"الليلة الكبيرة" والتي سبق تقديمها في نهاية الخمسينات للاذاعة المصرية كصورة غنائية ثم اعيد تسجيلها لمسرح العرائس وحققت نجاحا غير مسبوق

الرباعيات
ويبقي اللقاء الأشهر لسيد مكاوي ورفيقه صلاح جاهين في "الرباعيات" والتي قدمت من خلال اذاعة صوت العرب في نهاية الستينيات اخراج أنور عبد العزيز وكانت تقدم في حلقات يومية وحققت نجاحا كبيرا مما شجع المطرب علي الحجار علي اعادة تقديمها.
كما قدم الشيخ سيد للاذاعة المصرية الكثير من ألحان الصور الغنائية مثل:"سهرة في الحسين"و "علي دمياط"و "هنا القاهرة" وغيرها الي جانب عشرات الالحان الاذاعية.
إلتقي مكاوي مع الشاعر الراحل فؤاد حداد في حلقات إذاعية شهيرة قدمت في شهر رمضان عام 1968 بعنوان"نور الخيال وصنع الاجيال" وهو ديوان شعري لحداد يصف فيه القاهرة وما مر بها من احداث عبر التاريخ وعرف بمقدمته الغنائية الشهيرة"أول كلامي سلام" وقام بغنائة سيد مكاوي في دور الراوي و قدم العديد من الاصوات الجديدة آنذاك مثل ليلي جمال وزينب يونس ووجنات فريد وعبد الحميد الشريف ومن أشهر أغاني سيد مكاوي التي قدمت خلال هذا البرنامج أغنية "الارض بتتكلم عربي"
ح نحارب
شارك الشيخ سيد بألحانه في مجال الأغنية الوطنية وكانت نغماته التي جلجلت في الشارع العربي خير محرض علي الكفاح والمقاومة ففي اثناء عدوان 1956علي بورسعيد قدم مكاوي اغنية جماعية كانت من اجمل اغاني المعركة وهي "ح نحارب ح نحارب كل الناس ح تحارب" وقدم سيد مكاوي عقب قصف مدرسة بحر البقر أغنية "الدرس انتهي لموا الكراريس" لشادية وعقب قصف مصنع ابوزعبل لحن اغنية جماعية هي "احنا العمال اللي اتقتلوا" والاغنيتان كلمات صلاح جاهين كما اشترك في بداية الستينات في الحفل الكبير الذي أقيم بأسوان احتفالا بالبدء في بناء السد العالي وتحويل مجري النيل وحضر الحفل الزعيم جمال عبد الناصر ورئيس الاتحاد السوفيتي خروشوف والرئيس السوري شكري القوتلي وكذلك نخبة من رواد الفضاء الروس ومعهم الرائدة الشهيرة فالنتينا حيث غني سيد مكاوي أغنية ترحيب بأول رائدة فضاء من كلمات صلاح جاهين يقول مطلعها: "فالنتينا.. فالنتينا.. اهلا بيكي نورتينا" كما قدم للشاعر فؤاد حداد"مصر مصر دايما مصر" واغنية"مافيش في قلبي ولا عينية الا فلسطين" واثناء حرب السويس 1967 قدم لصديقة الشاعر كمال عمار"يا بلدنا الفجر مادنة ونار بنادق"

المسحراتي
أشتهر سيد مكاوي بآداء دور المسحراتي لما يقرب من الاربعين عاما شدي خلالها بأشعار فؤاد حداد في 160 حلقة إذاعية وإرتبط إسمه بشهر رمضان وخرجت ألحانه معبرة عن إبن البلد كما أعاد تقديم المسحراتي للشاشة بالتلفزيون المصري قبل رحيله.
حصل سيد علي العديد من التكريمات والجوائز نذكر منها: وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من الرئيس جمال عبد الناصر والوسام الثقافي من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وشهادة الجدارة من جامعة كاليفورنيا . في 21 إبريل 1997 رحل سيد مكاوي في نفس اليوم الذي رحل فيه صديقه صلاح جاهين ولكن بعد 11 عاما.
ويبقي سيد مكاوي خالدا في ذاكرة الموسيقي العربية وصاحب مرجعية لحنية خاصة وهوية إيقاعية مصرية صميمة.
رحم الله الشيخ سيد ..

Commenti